بقلم/محسن أبو عقيل
على رمال سيناء الغالية امتزجت دماء الجنود المصريين بعرقهم وصبرهم، لتكتب صفحة من أنصع صفحات التاريخ العسكري، السادس من أكتوبر 1973 ليس مجرد مواجهة تقليدية بين جيشين، بل كان امتحانًا إستراتيجيًا قلب موازين القوة في الشرق الأوسط.
الإيمان كان جزءًا من العقيدة القتالية التي زرعتها القيادة العسكرية في وجدان القوات المسلحة ،أدرك الرئيس البطل أنور السادات وقادة الجيش أن المدافع والدبابات وحدها لا تكفي، وأن المعركة لا تُحسم إلا بالروح التي تحرك المقاتل، فجعلوا شعار “الله أكبر ” يزرع الثقة في قلوب الجنود، ويزرع الرهبة في نفوس العدو،ولقد تحولت الصيحة إلى سلاح خفى قادرعلى كسر معنويات جيش قيل إنه لا يُقهر .
بعد نكسة 1967، اختارت مصر أن تمضي في طريق النفس الطويل ،أعيد بناء الجيش في صمت، وجرى إعداد الجنود على العبور في تدريبات مضنية، وتطوير السلاح رغم قلة الإمكانيات ،سنوات طويلة صبر فيها الجندي المصري على الحرمان وقسوة الظروف، لكنه ظل مؤمنًا أن لحظة الانتصار ستأتي،لقد كان ذلك الصبر هو البنية التحتية للنصر، فحول الهزيمة إلى درس، والانتظار إلى استعداد، واليأس إلى أمل.
إسرائيل لم تكن تراهن فقط على التفوق العسكري، بل على الحرب النفسية روجت لأسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ورسخت في أذهان العالم أن المصريين فقدوا إرادة القتال بعد الهزيمة لكن ما لم تدركه هو أن سنوات الصبر زادت من صلابة الروح المصرية،الجندي الذي تعوّد على الخشونة في الصحراء، وعلى قلة الزاد والسلاح، لم يعد يخشى شيئًا حتى الموت ،وحين واجه الإسرائيلي في الميدان، واجهه بإيمان متفوق، بينما كان العدو غارقًا في غروره.
فكان النصر عسكريًا على الضفة الشرقية للقناة،وكان سياسيًا على طاولة المفاوضات ،فقد أجبرت مصرُ إسرائيلَ لأول مرة على الاعتراف بوجود قوة جديدة في المعادلة، قوة صاغتها دماء على الرمال وصيحات “الله أكبر” ،ومن هنا يتضح أن الإيمان والصبر لم يكونا مجرد خصائص فردية لدى الجنود، بل إستراتيجية وطنية متكاملة أعادت لمصر مكانتها، ومهدت الطريق نحو سلام من موقع قوة.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، تبقى دماء الجنود على رمال سيناء شاهدة على أن الشعوب لا تُهزم إذا امتلكت سلاح الإيمان والصبر ،ففي معارك البناء والتنمية يظل الطريق واحدًا.. إيمان بالوطن، صبر على الصعاب، وانتصار في النهاية.




