مضيق هرمز على صفيح ساخن هل يشعل إغلاقه شرارة حرب عالمية
كتبت : إيمان حاكمهم
التاريخ لا يُقرأ للمتعة، بل للتحذير. ومن لا يتعلم من دروسه، قد يجد نفسه يكرر الكارثة ذاتها ولكن بثمن أفدح.
التصريحات الصادرة من واشنطن بشأن تلقيها رسائل من سفن تفيد بأن إيران منعت العبور عبر مضيق هرمز وتستعد لإغلاقه، ليست مجرد خبر عابر في نشرة دولية، بل مؤشر خطير على احتمال انتقال الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة عالمية مفتوحة.
في أكتوبر 1973، وخلال حرب السادس من أكتوبر بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، بدا التدخل الأمريكي حاسمًا في موازين القوى. لكن العرب امتلكوا حينها ورقة استراتيجية قلبت الطاولة: النفط.
الدول العربية المصدّرة للنفط — السعودية، العراق، الكويت، قطر، الإمارات والجزائر — قررت حظر التصدير إلى الولايات المتحدة ومعظم أوروبا. ارتفع سعر البرميل من نحو 3 دولارات إلى 11 دولارًا، وتكبدت أسواق المال خسائر قُدرت بنحو 97 مليار دولار في عام 1973 وحده. لم تكن مجرد أزمة طاقة، بل زلزال اقتصادي دفع عواصم غربية إلى إعادة حساباتها السياسية.
الدلالة هنا واضحة الطاقة ليست سلعة فحسب، بل أداة نفوذ سياسي واستراتيجي قادرة على إنهاء حروب.
مضيق هرمز ليس قناة جانبية يمكن الالتفاف حولها بسهولة. إنه الشريان الذي يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى قرابة 20% من الغاز الطبيعي. أي تعطيل واسع لحركة الملاحة فيه يعني عمليًا خنق جزء معتبر من إمدادات الطاقة العالمية.
جغرافيًا، تطل إيران على المضيق من الشمال، بينما تطل سلطنة عُمان من الجنوب. قانونيًا، يخضع المرور فيه لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تكفل حرية الملاحة، فيما يقتصر دور الدول المشاطئة على تأمين العبور لا منعه.
لكن السياسة لا تتحرك دائمًا وفق النصوص القانونية، بل وفق ميزان القوة.
في اليوم الأول للتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 5% دون أن يُغلق المضيق. فكيف سيكون المشهد إذا أُغلق بالفعل؟ الأسواق بطبيعتها تتفاعل مع التوقعات قبل الوقائع، فما بالك بحدث بهذا الحجم؟
إغلاق المضيق لن يكون مجرد خطوة عسكرية، بل إعلانًا عن مواجهة مع الاقتصاد العالمي بأكمله. القوى الكبرى لن تقف متفرجة إذا تعرضت مصالحها الحيوية للخطر. ومن هنا تكمن خطورة الورقة: استخدامها قد يحقق ضغطًا هائلًا، لكنه قد يستدعي ردًا دوليًا أوسع من نطاق الصراع الحالي.
برأيي، مضيق هرمز هو “الكارت الأخير” الذي يُستخدم عندما تُغلق كل الأبواب الأخرى. اللجوء إليه مبكرًا يعني القفز إلى مرحلة تصعيد قد تتجاوز الحسابات الإقليمية.
قد تكون التصريحات الأمريكية جزءًا من حشد دولي أوسع ضد طهران، وقد يكون التلويح الإيراني بالمضيق رسالة ردع لا أكثر. لكن المؤكد أن اللعب بورقة الطاقة في هذا التوقيت يحمل مخاطر هائلة.
الحرب الحالية قد تنتهي بتفاهمات سريعة تحت ضغط اقتصادي، كما حدث في 1973. لكنها إذا انزلقت إلى مواجهة على شريان الطاقة العالمي، فقد نكون أمام سيناريو مختلف تمامًا… سيناريو لا يعيد رسم خرائط المنطقة فقط، بل يعيد تشكيل النظام الدولي بأسره.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه اختبار لإرادة القوى الكبرى، وحدود المغامرة السياسية، وسؤال مفتوح: هل يُستخدم لإنهاء الحرب أم لإشعال ما هو أكبر منها؟




