بقلم : يوحنا عزمي
منذ الحروب الصليبية ، كانت هناك توصيات من روما والعواصم الأوروبية الكبرى بضرورة إيجاد نسخة من الإسلام يمكن التعاون معها لتنفيذ مصالح الغرب.
وكان الصراع بين الشرق والغرب ، بما في ذلك الحروب الصليبية
لا يتعلق بالصراع الديني فقط ، بل كان مرتبطًا بأزمات اقتصادية داخل أوروبا ومحاولات تطويقها عسكريًا وسياسيًا عبر الأندلس والسلاجقة. فقد بدأت حروب الهيمنة بين إمبراطوريات الشرق والغرب قبل ظهور الديانات السماوية الثلاث.
ورغم صعوبة ابتكار تيار إسلامي جديد في تلك الفترة ، حيث كانت المعارك الحربية مستعرة، تعاونت أوروبا مع بعض الحكام المسلمين مثل الفاطميين والأيوبيين والمماليك ضد الدول الإسلامية الأخرى، فضلاً عن بعض الطوائف العميلة. كانت رؤية أوروبا تكمن في إبقاء الشرق منقسمًا بين جماعات متناحرة، وهو ما أسمته بريطانيا لاحقًا “إدارة صراعات الشرق الأوسط دون حلها” تحت شعار “لا غالب ولا مغلوب”. وفي هذا الإطار، كان يجب أن يعمل “طابور خامس” داخل المجتمعات المسلمة لصالح الأجندات الغربية.
بريطانيا كانت من أولى الدول الغربية التي فكرت في صناعة
تيار “الإسلام السياسي”، وهو تيار إسلامي موالٍ لها، وذلك عندما حصلت شركة الهند الشرقية البريطانية على صلاحيات تجارية وإدارية في بنغلادش عام 1765 من إمبراطورية مغول الهند،
التي كانت تحكمها سلالة مسلمة. مع توسع النفوذ البريطاني في شبه القارة الهندية ، أصبح لديهم الحل الأمثل للتعامل مع مقاومة الاستعمار الهندي، وذلك عبر تقسيم الهنود إلى طائفتين : الهندوس والمسلمين. وكان الهدف صناعة “قومية مسلمة” لمواجهة “القوميين الهنود” وتعميق الفوارق الدينية بين الطوائف.
منذ القرن الثامن عشر ، أصدرت لندن توصيات تهدف إلى تقسيم المجتمع الهندي ، ومنها :
1. تصميم كتب دراسية تعزز الفروق بين الطوائف.
2. تطبيق مبدأ “فرق تسد” الروماني.
3. العمل على عدم تبني شعور مشترك بين الناس.
4. تأليب طرف ضد آخر بشكل مستمر لضمان السيطرة البريطانية.
أدى ذلك إلى اندلاع ما أسمته بريطانيا “تمرد 1857″، وهو حرب أهلية ذات طابع ديني. المؤرخ نارندرا ساريلا في كتابه ظلال اللعبة الكبرى أشار إلى أن “جذور الإرهاب الإسلامي الذي يشهده العالم اليوم تعود إلى تقسيم الهند”، في إشارة إلى دور بريطانيا في صناعة الإسلام السياسي في الهند.
وفي عام 1886، تم تنظيم “المؤتمر التربوي المحمدي” في شمال الهند تحت إشراف بريطانيا ، حيث رفض المؤتمر التعاون مع القوميين الهنديين، وقرر العمل منفردًا كمسلمين. هذا المؤتمر أنتج حركة “اليجار” التي أسست فيما بعد “الرابطة الإسلامية” بقيادة محمد علي جناح، التي طالبت باستقلال المسلمين في دولة منفصلة، والتي أصبحت فيما بعد باكستان.
كما دعمت بريطانيا حركة “الانفصال الإسلامي” ماليًا ومعنويًا
مما مكنها من ضمان أن المسلمين في الهند لن يتعاونوا مع حركات الاستقلال الهندية. فالمسلمون في الهند كانوا ينتمون إلى مختلف الشعوب والقوميات الهندية ، وبالتالي كانوا جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للهند، مما جعل تقسيمهم أمرًا مصطنعًا.
وفي أوائل القرن العشرين، أصبحت عملية “صناعة باكستان”
هدفًا رئيسيًا لبريطانيا، لما لها من أهمية استراتيجية في الحفاظ على توازناتها في المنطقة ، خصوصًا في إيران وأفغانستان. وكان هذا مرتبطًا أيضًا بحماية مصالحها في الهند، التي كانت تعد أكبر مستعمرة لها.
عندما بدأ سقوط الدولة العثمانية في عام 1919، أدركت بريطانيا أهمية وجود 20 مليون مسلم في الهند كقوة إسلامية في العالم، وهو ما دفعها لتعزيز مشروع تقسيم الهند. وفي عام 1941، أسست بريطانيا النسخة الهندية – الباكستانية من جماعة الإخوان المسلمين تحت اسم “الجماعة الإسلامية”.
في عام 1947، بعدما أدركت بريطانيا أنها لن تستطيع الاحتفاظ بكل مستعمراتها بعد الحرب العالمية الثانية، وافقت على تقسيم الهند إلى دولتين: الهند وباكستان، وذلك على الرغم من عدم تفضيل حكومة حزب العمال لهذا الخيار في البداية. ومع ذلك ، فإن هذا القرار تم اتخاذه بعد دراسة مصالح بريطانيا العالمية في المنطقة.
باكستان ، منذ تأسيسها ، أصبحت دولة وظيفية ، حيث تم استخدامها لمقاومة حركات التحرر الوطني في الشرق والتمدد الشيوعي ، ثم أصبح لها دور مهم في خدمة المصالح الغربية، حيث انضمت إلى حلف بغداد البريطاني وفتحت أراضيها للاستخبارات الغربية لمراقبة الاتحاد السوفيتي.




