بقلم : إيمان حاكمهم
في الشرق الأوسط، لا تأتي التحولات بهدوء، بل غالبًا ما تسبق العواصف الكبرى سكونٌ مشوب بالقلق، وهذا ما يبدو أنه يخيّم على المشهد حاليًا. خلال الساعات الأخيرة، دخلت القضية الفلسطينية، ومعها المنطقة بأسرها، منعطفًا جديدًا قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة لأعوام طويلة.
حركة “حماس” أعلنت موافقة مشروطة على الخطة الأمريكية التي طرحها دونالد ترامب، وهي الموافقة التي بدت أقرب إلى عرض سياسي ذكي منها إلى تنازل حقيقي. في بيانها، وافقت الحركة على إطلاق سراح جميع الأسرى دفعة واحدة، كما قبلت بنقل إدارة قطاع غزة إلى حكومة تكنوقراط فلسطينية مستقلة، ما يعني فعليًا تخليها عن الحكم المباشر، لكن دون التنازل عن نقاط جوهرية تمثل جوهر مشروع المقاومة، وعلى رأسها رفض نزع السلاح، ورفض وجود أي إدارة أجنبية للقطاع.
هذه الصيغة تضع نتنياهو في مأزق داخلي واضح. فالمعارضة في إسرائيل، وكذلك عائلات الأسرى، كانت تضغط منذ شهور من أجل التوصل إلى صفقة تبادل تُعيد الجنود والمحتجزين. والآن، بعد أن وافقت “حماس”، يصبح من الصعب على رئيس الوزراء الإسرائيلي رفض الصفقة دون أن يُتهم بإضاعة فرصة تاريخية لأسباب سياسية. لكنه في المقابل، لا يستطيع قبولها كما هي، لأن ذلك يعني انهيار واحد من أعمدة الرواية الإسرائيلية حول نزع سلاح غزة.
ووسط هذا التعقيد، خرج ترامب بتصريح مفاجئ على منصته “تروث سوشيال”، يطالب فيه إسرائيل بوقف القصف، ويعلن أن “حماس أصبحت جاهزة للسلام”. تصريح بدا لأول وهلة كنافذة أمل، لكنه في حقيقته لا يعكس تحولًا حقيقيًا في السياسات الأمريكية، بقدر ما هو ورقة ضغط جديدة لتحريك المفاوضات في الاتجاه الذي تريده واشنطن.
لكن في الجهة الأخرى من المشهد، تتحرك القطع الثقيلة على رقعة الشطرنج الإقليمية. الولايات المتحدة دفعت بحاملة الطائرات الأحدث والأخطر في ترسانتها، “يو إس إس فورد”، إلى مياه البحر المتوسط، وهي ليست إشارة روتينية. تاريخيًا، لم تدخل هذه الحاملة إلى مسرح عمليات إلا كتمهيد مباشر لحروب واسعة النطاق. بالتوازي، زادت واشنطن عدد بطاريات الدفاع الصاروخي المتطور “ثاد” في إسرائيل، مع تعزيزات رادارية متقدمة، وتوسعات واضحة في البنية التحتية الدفاعية للدولة العبرية.
هذا التراكم السريع في القدرات الدفاعية والهجومية يبعث برسالة واضحة: الإدارة الأمريكية تُهيئ المسرح لحدث كبير، أو على الأقل، تستعد لردة فعل غير متوقعة من أحد أطراف الصراع، سواء في غزة، أو على جبهة أوسع مع إيران أو حلفائها.
أما طهران، فهي الأخرى تتحرك. تقارير استخباراتية تشير إلى أكبر حشد عسكري في تاريخ إيران، مع نقل صواريخ باليستية إلى مواقع محصنة تحت الأرض، ورفع جاهزية وحداتها الدفاعية والهجومية. هذا الحشد لا يمكن فصله عن التصعيد الجاري في فلسطين، ولا عن التحركات العسكرية الأمريكية، وهو ما يعزز الفرضية بأن المنطقة تقترب من لحظة انفجار كبرى، سواء كانت محسوبة أو نتيجة انزلاق غير مقصود.
المعضلة الحقيقية الآن، أن الجميع يتحرك وكأن الحرب قادمة لا محال.




