بقلم: سما صبري
منذ سنوات طويلة، ومصر تتعرض لما يمكن وصفه بـ”الحرب المستهدفة” التي تأخذ أشكالًا متعددة، لكنها تلتقي جميعًا عند هدف واحد: ضرب استقرار الدولة، وتشويه صورتها داخليًا وخارجيًا، وعرقلة مسيرتها نحو التنمية والنهضة.
هذه الحرب ليست بالضرورة تقليدية بأسلحة نارية أو جيوش على الحدود، بل هي أشرس لأنها ترتكز على أدوات الحرب الحديثة: الإعلام الموجه، الحملات الإلكترونية، التشكيك في الإنجازات، استهداف مؤسسات الدولة، وبث الإحباط واليأس في نفوس المواطنين. إنها حرب ناعمة بقدر ما هي خبيثة، ومفتوحة بقدر ما هي ممنهجة.
في السنوات الأخيرة، لاحظنا كيف يتم الترويج المكثف لفكرة “انهيار الدولة المصرية”، وكيف تتكرر حملات التشكيك في قدرة الجيش، الشرطة، القضاء، والمؤسسات الرقابية. بل حتى الإنجازات الكبرى في البنية التحتية ومجالات الطاقة والطرق والإسكان يتم تسفيهها، والتشكيك في جدواها.
لكن الواقع يثبت عكس ذلك. فمصر، رغم الأزمات العالمية من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، صمدت اقتصاديًا وأمنيًا، وتحركت نحو إصلاحات جذرية لا يمكن تجاهل أثرها على المدى المتوسط والبعيد.
نحن نعيش اليوم في عالم تقوده المعلومات وليس الجيوش. وحروب الجيل الرابع والخامس تستهدف الوعي قبل أن تستهدف الأرض.
منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة معركة، تديرها أطراف خارجية بأدوات داخلية، تُجنّد فيها ذوي الأجندات المشبوهة من الخارج والداخل، وتُزرع فيها الشائعات كقنابل موقوتة.
اللافت أن هذه الحملات لا تتوقف حتى عند الخطوط الحمراء: الدين، الأخلاق، القيم، والوحدة الوطنية.
فكل ما هو ركيزة للمجتمع المصري، يُستهدف، يُفكك، ويُعاد تشكيله في قوالب مسمومة تخدم أجندات لا تمت لمصر بصلة.
السؤال الجوهري هنا: لماذا تُستهدف مصر بهذا الشكل؟
الإجابة واضحة لكل من يقرأ التاريخ والجغرافيا والسياسة. مصر دولة محورية في محيطها العربي والإفريقي، تملك جيشًا قويًا، وموقعًا استراتيجيًا فريدًا، ولها صوت مستقل في قراراتها. ومثل هذه الدول لا تُترك دون محاولات لاحتوائها أو إضعافها.
أضف إلى ذلك أن مصر حاليًا تخوض معركة بناء شاملة في التعليم، الصحة، الزراعة، الصناعة، والعمران، وهذه المعركة تُخيف أعداء الاستقرار في المنطقة.
في ظل كل هذه التحديات، تبقى اليقظة الشعبية، والوعي الجمعي، هي الحصن الأول والأخير في مواجهة هذه الحرب.
فمتى فقدت الشعوب بوصلتها، سهل اختراقها وتفتيتها، أما إذا كان الشعب مدركًا لما يُحاك له، فإنه يُفشل كل مخطط، مهما بلغت قوته.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلام الوطني، والمؤسسات التعليمية، والمثقفين، وقادة الرأي، أن يُعيدوا تشكيل الوعي لا بالخطابة، بل بالحقائق، بالمعلومة، وبفتح باب النقاشات البناءة.
الخلاصة، مصر اليوم ليست هدفًا عابرًا، بل محطة رئيسية في صراع إقليمي ودولي أوسع. وكل حملة تشكيك، وكل محاولة لبث الفوضى، ليست سوى فصل جديد في “الحرب المستهدفة” لكن بالوعي، وبالعمل، وبالإيمان بالوطن، ستبقى مصر قوية، عصية على الانكسار، وماضية نحو المستقبل بثقة لا تعرف التراجع.




