كتب د.أحمدالدريني.
شهدت المنصات الإعلامية مؤخراً جدلاً واسعاً بعد حلقة الإعلامي عمرو أديب التي ناقشت أزمة الكلاب الضالة، حيث سقط البرنامج في فخ معرفي وإعلامي خطير يتمثل في إخضاع الحقائق العلمية والطبية الراسخة لمنطق “الرأي والرأي الآخر أن كليات الإعلام طالما رسخت في الأذهان ضرورة التزام الحياد وعرض وجهات النظر المختلفة صوناً للمهنية، بيد أن هذه القاعدة الذهبية التي تجد مكانها الطبيعي في المساحات السياسية، والفنية، والاجتماعية، تصطدم بجدار مصمت حين تُقحم في القضايا الطبية والبيئية البحتة؛ فالعلم لا تحكمه الأهواء أو المشاعر، بل تفنده المختبرات وتثبته الأبحاث المعملية الرصينة. وحين يتحول الأثير الجماهيري إلى ساحة لتسييد العاطفة المفرطة على حساب الطب الوقائي، تقع الطامة المهنية الكبرى التي تغيب وعي المشاهد وتنحدر بالوعي المجتمعي.
إن جوهر الخلل الذي تم رصده في الحوار، يتجلى في محاولة صناع المحتوى إشراك أطراف غير مؤهلة لتقييم أخطار بيئية وصحية جسيمة. فعندما يقف طبيب بيطري متخصص، متسلحاً بالعلم، ليؤكد أن فضلات الكلاب الضالة تشكل تهديداً مباشراً وسافراً على الصحة العامة نتيجة احتوائها على بكتيريا خطيرة وطفيليات مجهرية متحورة، وأن تراكم هذه المخلفات داخل الكتل السكنية المكتظة يمثل قنبلة بيولوجية موقوتة، لا يمكن للإعلام أن يقبل “رأياً آخراً” يقوم على الإنكار المرسل والادعاءات الواهية التي تزعم عدم وجود أضرار لمجرد أن أحداً من المواطنين لم يسجل شكوى رسمية سابقة. هذا التسطيح للقضايا الإستراتيجية يعكس غياب المعايير المهنية في اختيار ضيوف المنصات الإعلامية.
فالعلم القاطع يثبت أن مرض السعار هو داء فيروسي قاتل ينتقل بصفة رئيسية وأساسية عبر دماء ولعاب الكلاب الضالة، ومواجهة هذه الحقيقة الطبية بمحاولة تمييعها عبر الادعاء بأن “الخفافيش والوطاويط” تصاب أيضاً بالسعار، هو نوع من العبث الفكري الذي يستهدف تشتيت الرأي العام عن الخطر الحقيقي الداهم وسط الأحياء السكنية. كما أن القواعد البيئية العالمية تؤكد أن توفير مصادر طعام مستدامة لأي حيوان في الشارع يعد بمثابة نقطة جذب وتوطين له، مما يدفعه لفرض نفوذه وحماية منطقته بشراسة، وبالتالي فإن مجابهة هذا التفسير العلمي بعبارات عاطفية من قبيل “أين الرحمة في قلوبكم” لا يستقيم أبداً في حوار يستهدف وضع حلول جذرية لأزمة تهدد سلامة الأطفال والمارة.
أن التعامل مع ملفات الصحة العامة وقضية الكلاب الضالة يجب أن يقتصر تماماً على العلماء والمختصين في الطب البيطري وعلوم البيئة. إن استدعاء محبي الحيوانات أو من يطلقون على أنفسهم “نشطاء حقوق الحيوان” ليقفوا في كفة متساوية مع أصحاب التخصص يمثل تضليلاً إعلامياً فجاً، لأن الساحات الطبية لا تحتمل وجهات نظر شخصية. ولم يقف السقوط عند غياب المنهجية العلمية فحسب، بل امتد ليشمل سقطات لفظية بذيئة وهابطة دارت بين الضيوف على الهواء مباشرة، مما أطاح تماماً بالوقار المفترض لبرنامج جماهيري يدخل البيوت العربية، وآن للأثير الإعلامي أن يدرك أن الأزمات العلمية تُدار بمنطق العلماء لا بصراخ الهواة.




