عندما تتحول الحرب إلى عقيدة
بقلم إيمان حاكمهم
في العادة تُدار الحروب وفق حسابات باردة؛ مصالح، توازنات قوى، ورسائل سياسية متبادلة. لكن ما يُتداول أخيراً حول بعض القواعد العسكرية الأمريكية يطرح سؤالاً أكثر خطورةماذا يحدث عندما تتحول الحرب من قرار سياسي قابل للتراجع إلى عقيدة دينية يعتقد أصحابها أنها جزء من قدر محتوم؟
تقارير متداولة تشير إلى أن بعض القادة العسكريين في قواعد أمريكية عدة يخاطبون الجنود بخطاب روحي حاد، يربط أي مواجهة محتملة مع إيران بما يسمونه “خطة إلهية”. وفي هذا السياق يُقدَّم الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump في بعض الخطابات بوصفه “الرجل المختار” لبدء مواجهة كبرى قد تقود – وفق هذا التصور – إلى معركة “هرمجدون” التي تُستحضر كثيراً في الأدبيات الدينية المرتبطة بنهاية الزمان.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالحرب التي تُبنى على حسابات السياسة يمكن إيقافها بقرار سياسي أيضاً؛ قد تُعقد هدنة، أو تُفرض تسوية، أو يُعاد رسم خطوط التفاوض. لكن الحرب التي تُصوَّر على أنها تنفيذ لإرادة إلهية تصبح أكثر تعقيداً. فكيف يمكن إقناع من يعتقد أنه ينفذ “مشيئة السماء” بقبول وقف إطلاق النار؟
هذا السؤال ليس نظرياً. فقد كشفت Military Religious Freedom Foundation عن تلقيها أكثر من 110 شكاوى من جنود وضباط أعربوا عن قلقهم من تزايد الخطاب الديني داخل بعض الوحدات العسكرية. الشهادات تشير إلى رفض عدد من العسكريين تحويل أي مواجهة محتملة إلى “مهمة مقدسة”، محذرين من أن ذلك قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى مسار لا تحكمه قواعد الاستراتيجية بقدر ما تحكمه قناعات عقائدية.
التاريخ يعلّمنا أن الحروب ذات الطابع العقائدي غالباً ما تكون الأطول والأكثر شراسة. فعندما يُنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية أو دينية، تصبح التسوية أشبه بالهزيمة المعنوية، لا مجرد تنازل سياسي. ولهذا السبب كانت كثير من النزاعات التي اكتست بغطاء ديني أكثر صعوبة في الوصول إلى هدنة أو اتفاق سلام.
الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في التدين الشخصي للجنود أو القادة، فذلك حق فردي طبيعي، بل في تحوّل هذا التدين إلى إطار يحدد طبيعة القرار العسكري نفسه. عندها يصبح الخصم ليس مجرد دولة لها مصالح متعارضة، بل عدواً مقدَّراً في سردية كونية، وهو تصور يضيق فيه مجال العقلانية السياسية.
وفي عالم تتكدس فيه الترسانات العسكرية والتقنيات القادرة على إحداث دمار واسع، يصبح هذا النوع من التفكير أكثر إثارة للقلق. لأن أي صراع يُقدَّم باعتباره “معركة النهاية” قد لا يترك مساحة كافية لوقف إطلاق النار أو الهدنة.
لذلك يبقى السؤال الأخطر إذا تحولت الحرب إلى عقيدة، فهل تبقى هناك مساحة للسلام؟ أم أن العالم قد يجد نفسه أمام صراعات لا تنتهي لأن أصحابها لا يرون فيها خياراً سياسياً بل قدراً لا يمكن الفرار منه؟




