تثير ظاهرة امتلاك القضاة والقادة الإسرائيليين لمنازل في أوروبا الكثير من علامات الاستفهام حول ولائهم الحقيقي، وثقتهم في مستقبل الدولة التي يمثلونها أمام العالم. كيف لقاضٍ يفترض أنه حارس للعدالة في إسرائيل أن يحتفظ بمنزل في برلين أو باريس أو فيينا؟ أليس في ذلك اعتراف ضمني بعدم الاطمئنان لبقاء دولتهم على المدى البعيد؟
في الحقيقة، الأسباب أعمق مما تبدو عليه. فإسرائيل – رغم ما تبديه من قوة عسكرية وتكنولوجية – تعاني هشاشة داخلية متصاعدة، سواء من ناحية الانقسامات السياسية والدينية أو من تراجع ثقة المجتمع الدولي بها بعد الجرائم التي ارتكبت في غزة ولبنان. هذه الهشاشة تجعل حتى كبار قادتها يخططون لليوم الذي قد ينهار فيه كل شيء، فيبحثون عن مأوى آمن في أوروبا.
ثم هناك العامل التاريخي، فمعظم القضاة والقادة الإسرائيليين ينتمون إلى أصول أوروبية، من اليهود الأشكناز الذين هاجروا إلى فلسطين في منتصف القرن الماضي. لم تنقطع روابطهم بأوطانهم الأصلية، بل ظلوا يحتفظون بجوازات أوروبية ويستثمرون في العقارات هناك، وكأنهم على موعد دائم مع العودة إذا ما ضاقت الأرض في تل أبيب والقدس.
ولا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي. فإسرائيل – رغم الواجهة المزيفة للازدهار – تعاني فسادًا مستشريًا، ورجال السلطة فيها يهربون أموالهم إلى الخارج خوفًا من التحقيقات أو التقلبات السياسية. أوروبا بالنسبة لهم خزنة آمنة، ومنزل هناك ليس مجرد رفاهية بل تأمين لمستقبلهم المجهول.
كل ذلك يكشف عن حقيقة واحدة: أن القادة الإسرائيليين، حتى في قمة السلطة والقضاء، لا يثقون في دوام دولتهم. فلو كانت إسرائيل كما يزعمون “وطنًا أبديًا لليهود”، لما كانت منازلهم في أوروبا جاهزة بأبواب مفتوحة تنتظرهم عند أول نذير سقوط.




